الشــــيــــــعة

الاستخفاف بعقول الشعوب والتلاعب بعواطف البسطاء من الناس ليس بأمر جديد في سياسة الانظمة الدكتاتورية عامة  والثيوقراطية منها خاصة. فلكل منها اسلوب معين يتخذه للتلاعب بعقول ومشاعر الشعب لتحقيق غاياته التي يسعى لها وذلك عبر اشغال الشعب والهائه بقضايا جانبية تبعده عن النظر في الامور السياسية  و الاقتصادية وغيرها من الامور الحياة اليومية . فكل ما ازداد جهل الشعب وتخلفه الفكري والثقافي كل ما ترسخت معه اركان النظام الدكتاتوري و ازداد عمره.

. وهذا ما يحاول النظام الايراني الثيوقراطي فعله من خلال اغراق المجتمع بالخرافات‘ وعلينا هنا ان نفرق ما بين النظام الاسلامي والنظام الثيوقراطي  لكون في الإسلام الصحيح لا يوجد نظام كنسي ولا رهبان وكهنة بالمعنى الخاص بقدسية الكاهن والمؤسسة التي ينتمي إليها. كما لا توجد في الإسلام دولة دينية على نمط الفاتيكان يرأسها البابا الذي يحيط بهو يتبعه رهبان وأحبار، مثلما لا يوجد مجلس كنسي، ولا يوجد أيضاً تراتب لرجال الدين‘ غير ان في إيران يوجد مثل هذا النظام الكهنوتي القائم على الوساطة بين الإنسان وخالقه حيث يمثل الولي الفقيه نائب الإمام المعصوم الذي يعد الراد عليه كل الراد على النبي والراد على النبي كل الراد على الله ‘ وهذا مأخوذ من المسيحيين القدماء خاصة في روما القديمة التي كانت تعتُبر القيصر يعيش و الإله جنباً إلى جنب .

 كما يوجد في عقيدة النظام الإيراني  تراتب لرجال الدين تبدأ برتبة ” ثقة الإسلام ‘ حجة الإسلام ‘ حجة الإسلام والمسلمين‘ آية الله ‘ آية الله العظمى والإمام ” وهذا نمط كهنوتي بحت حيث يتطلب من الناس أو ما يطلق عليهم العامة الرجوع لهؤلاء الرجال في شؤون دينهم و دنياهم والعمل بما يقولون به كونهم يمثلون المرجع الأعلى‘ ويرى هؤلاء أنفسهم أفضل من الأنبياء مستندين في ذلك على الحديث المنسوب لرسول الله صلى الله عليهم وسلم ‘” علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل ” ‘.

و بما ان نظرية التشيع تقوم على تقديس الإمام وأبنائه وأحفاده و خدمه ‘ فان النظام الإيراني سعى الى استثمار هذه النقطة لتحقيق غايتين أساسيتين‘ الأولى شعوبية خالصة  والأخرى سياسية. فالغاية الأولى من صنع ما يسمى ” المراقد والمزارات والبقاع المتبركة ”  هو أظاهر ان إيران بلدا مقدسا لاحتوائه مراقد وأضرحة لعدد كبير من آل البيت  وهؤلاء ما اختاروا الدفن في بلاد فارس إلا لخصوصية فيها  وقد وضع الشعوبيون الكثير من الروايات بهذا الشأن. وهذا طبعا ينم عن شعور عنصري مشوب بطائفية مقيتة دأبت الحركة الشعوبية على ترسيخه في ذهنية أبناء الأمة الفارسية . أما النقطة الثانية ‘ فبالإضافة الى جمع المال الذي يستخدم في دعم التكايا وإقامة المناسبات الخرافية ‘ فان في الأمر غاية أخرى أيضا  وهي ترسيخ  الاعتقاد بان هذه المزارات والبقاع المتبركة على حد زعمهم قادرة على لعب دور في حياة  الزائرين و المريدون لها وبتالي فان ترسيخ هذا الاعتقاد  سوف يعزز من مكانة القيمين على هذه البقاع والمزارات‘ ماليا و سياسيا .

وعلى الرغم من استمرار النظام الإيراني في سياسة اختلاق ما يسمى ‘ مزارات الأولياء والبقاع المتبركة ‘ فقد كانت هذه السياسة  قبل أيام موضوع ندوة على القناة الثانية للتلفزيون الإيراني شارك فيها اثنان من المتخصصين بالشؤون الاجتماعية والفرق الدينية في إيران  وقد تناولت الندوة ظاهرة الفرق الدينية الجديدة الآخذة  بالانتشار في ايران وآثارها على المجتمع .

و كان نقاش الموضوع شيق جدا لدرجة انه جعل المشاهد يتابع الحلقة الى آخرها بتفاعل واهتمام كبير. ولكن النقطة التي كانت محل تأمل وتحسر في هذا النقاش تتعلق بحديث احد ضيوف  الحلقة وهو  السيد ” داود رنجبران ” المتخصص في الآفات الاجتماعية الذي حذر مرات متوالية من ظاهرة الفرق والخرافات الدينية  مؤكدا ان الأهداف الأساسية لهذه الفرق هي أهداف تجارية غايتها جمع المال بالدرجة ‘مستندا بالكثير من آراءه على التقارير التي كانت قد عرضت  في الحلقة والتي كان من بينها تصريح لسيد ” شمران ” نائب رئيس منظمة الأوقاف لشؤون البقاع والأماكن المتبركة والذي كان يتحدث بسرور بالغ عن حجم الإيرادات التي جنتها منظمة الأوقاف من وراء تلك المزارات والبقاع  والتي ارتفعت من 27 مليار تومان في عام 2005 الى 37 مليار خلال السنة الأخيرة .

مؤكدا وجود 8 الآلف  مزار و بقعة متبركة في إيران وان مبلغ الـ 37 مليار التي تم جنيها في السنة الماضية هي عائدات ثلاثة الآلف مزار منها فقط  أما إذا أردنا ان نعد إيرادات جميع المزارات والبقاع المتبركة فإنها تبلغ حدود 200مليار تومان ” ‘ . و هذه طبعا تعد تجارة رابحة جدا و من دون ان تكون معرضة لأي خسارة محتملة .

بعبارة اخرى ان المساكين و المحرومين من لقمة العيش من ابناء الشعوب الايرانية الذين يبحثون عن الف طريقة وطريقة  لعلاج الامهم وحل مشاكلهم هم من يلجئون الى هذه المزارات والبقاع باكين و مستنجدين بها على امل ان تتحقق آمالهم- ( ولاشك أن ذلك ذلك العمل المستنكر شرعا لا تقره الشريعة الإسلامية الكريمة التي تعتبر أن ذلك طريق لارتكاب الشركيات والمنهيات ) -_.

وبما أن الآمال لا تتحقق والحاجات لا تقضى الا بدفع الاموال والنذورات لاصحاب هذه المزارات والقبور !! فقد عمل هؤلاء الفقراء والمساكين على دفع 37مليار تومان” رشوة ” لهذه المزارات على امل ان تداوى الامهم وتحل مشاكلهم التي غالبا ما تكون عبارة عن ‘ عائلة تتمنى ان يأتي عريس لابنتها العانس او عاقر تتمنى ان تحمل وتلد او راعي بسيط يتمنى ان تسلم مواشيه من الامراض او عاطل عن العمل يأمل ان يشتغل أو مريض لا يجد المال للمعالجة ولكنه يلجئ الى قبر او مزار معين على امل الشفاء ‘ وهناك الف والف حاجة يتمنى الفقراء الذين اوهمهم الملالي واصحاب الفرق الدينية الشيطانية انها من الممكن ان تتحقق لهم بواسطة هذه المزارات.

و يبقى السؤال القائم هنا عن مدى تأثير هذا الأسلوب الشيطاني على المجتمع  والى إي مدى يمكن ان يقنع الإنسان بهذا الفكر الذي يمثله اليوم النظام الإيراني ويقود عملية نشره في العالم الإسلامي؟ ‘ ثم إلا يعد هذا الأسلوب مماثلا للإعمال التي تقوم بها الفرق الدينية المنتشرة حاليا في إيران والتي من أهمها  فرقة ” عبدت الشيطان ”  وغيرها من الفرق الأخرى التي يسعى كل منها جلب الناس  بطريقتها الخاصة ؟ .

من المعلوم ان مؤسسة رجال الدين في ايران من الناحية التاريخية  تتخذ البسطاء والمؤمنين بالخرافة قاعدة لها ولهذا فقد سعت دائما الى الاهتمام بصناعة بناء المزارات والقبور و ما يسمى البقع المتبركة لكونها صناعة رابحة ‘ واغلب هذه المزارات يتم تشيدها بناءا على رؤية في المنام  يراها مرجع ديني او رواية يرويها مؤلف كتاب يذكر فيها ان ابناً او حفيداً لأمامٍ من الائمة الاثنى عشر مات ودفن في القرية الفلانية وعندها يشيد المزار وتبدء  افواج الزائرين من البسطاء  تتدفق عليه ويبدء المال يدر في جيوب الملالي الذين اصبحوا  يزدادون غنا واصبحت الفجوة تتسع بينهم وبين الناس. فبحسب احدث احصائية نشرت ان عشرة ونصف بالمائة من سكان المدن و احد عشر ونصف بالمائة  من سكان القرى هم تحت خط الفقر .

بمعنى ان 7 ملايين و 465 الف من سكان ايران يعيشون تحت خط الفقر المطلق  ومع ذلك مازال النظام الايراني يسير قدما في صناعة المزارات والمقامات المتبركة سعيا في جمع المزيد من الاموال من جيوب الفقراء لتصب في جيوب الملالي الذين يرون انفسهم اتباع مؤمنون ودعاة مخلصون للمذهب وأن  كل ما يقومن به هو تطبيق لتعاليم وثقافة هذا المذهب